العيني

119

عمدة القاري

كان مقيما فيها . وقال أكثر أهل العلم ، منهم عطاء والزهري والثوري والكوفيون وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وأبو ثور : لا يقصر الصلاة أهل مكة بمنىً وعرفات لانتفاء مسافة القصر . وقال الطحاوي : وليس الحج موجبا للقصر لأن أهل منىً وعرفات إذا كانوا حجاجا أتموا ، وليس هو متعلقا بالموضع ، وإنما هو متعلق بالسفر ، وأهل مكة مقيمون هناك لا يقصرون ، ولما كان المقيم لا يقصر لو خرج إلى منى كذلك الحاج . ذكر المسافة التي تقصر فيها الصلاة : اختلف العلماء فيها ، فقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون : المسافة التي تقصر فيها الصلاة ثلاثة أيام ولياليهن بسير الإبل ومشي الأقدام . وقال أبو يوسف : يومان وأكثر الثالث ، وهي رواية الحسن عن أبي حنيفة ورواية ابن سماعة عن محمد ولم يريدوا به السير ليلاً ونهارا لأنهم جعلوا النهار للسير والليل للاستراحة ، ولو سلك طريقا هي مسيرة ثلاثة أيام وأمكنه أن يصل إليها في يوم من طريق أخرى قصر ، ثم قدروا ذلك بالفراسخ ، فقيل : أحد وعشرون فرسخا ، وقيل : ثمانية عشر ، وعليه الفتوي ، وقيل : خمسة عشر فرسخا ، وإلى ثلاثة أيام ذهب عثمان بن عفان وابن مسعود وسويد بن غفلة والشعبي والنخعي والثوري وابن حيي وأبو قلابة وشريك بن عبد الله وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين ، وهو رواية عن عبد الله بن عمر . وعن مالك : لا يقصر في أقل من ثمانية وأربعين ميلاً بالهاشمي ، وذلك ستة عشر فرسخا ، وهو قول أحمد ، والفرسخ ثلاثة أميال ، والميل ستة آلاف ذراع ، والذراع أربع وعشرون إصبعا معترضة معتدلة ، والأصبع ست شعيرات معترضات معتدلات ، وذلك يومان ، وهو أربعة برد ، هذا هو المشهور عنه . كأنه احتج بما رواه الدارقطني من حديث عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وعطاء بن أبي رباح ( عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أهل مكة لا تقصروا الصلاة في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان ) . وعبد الوهاب ضعيف ، ومنهم من يكذبه ، وعنه أيضا : خمسة وأربعون ميلاً ، وللشافعي : سبعة نصوص في المسافة التي تقصر فيها الصلاة : ثمانية وأربعون ميلا ، ستة وأربعون ، أكثر من أربعين ، أربعون ، يومان وليلتان ، يوم وليلة ، وهذا الآخر قال به الأوزاعي . قال أبو عمر : قال الأوزاعي : عامة الفقهاء يقولون به . قال أبو عمرو عن داود : يقصر في طويل السفر وقصيره ، زاد ابن حامد : حتى لو خرج إلى بستان له خارج البلد قصر ، وزعم أبو محمد أنه لا يقصر عندهم في أقل من ميل ، وروي الميل أيضا عن ابن عمر ، روي عنه أنه قال : لو خرجت ميلاً لقصرت . وعنه : إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر ، وعنه : ثلاثة أميال ، وعن ابن مسعود : أربعة أميال ، وفي ( المصنف ) : حدثنا هشيم عن أبي هارون ( عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فرسخا قصر الصلاة ) . وحدثنا هشيم عن جويبر عن الضحاك ( عن النزال أن عليا ، رضي الله تعالى عنه ، خرج إلى النحيلة ، فصلى بها الظهر والعصر ركعتين ، ثم رجع من يومه . قال : أردت أن أعلمكم سنة نبيكم ) . وكان حذيفة يصلي ركعتين فيما بين الكوفة والمدائن ، وعن ابن عباس : تقصر الصلاة في مسيرة يوم وليلة . وعن ابن عمر وسويد بن غفلة وعمر بن الخطاب : ثلاثة أميال . . وعن أنس ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ . شعبة الشاك قصر ) ، رواه مسلم . قال أبو عمر : هذا عن يحيى بن يزيد الهنائي ، قال : سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج . . . إلى آخره ، ويحيى شيخ بصري ليس لمثله أن يروي مثل هذا الذي خالف فيه جمهور الصحابة والتابعين ، ولا هو ممن يوثق به في مثل ضبط هذا الأمر ، وقد يحتمل أن يكون أراد سفرا بعيدا ، ثم أراد ابتداء قصر الصلاة إذا خرج ومشى ثلاثة أميال ، فيتفق حضور صلاة فيقصر . وعن الحسن : يقصر لمسيرة ليلتين . وعند أبي الشعشاء : ستة أميال . وعند مسلم ( عن جبير بن نفير ، قال : خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشرة أو ثمانية عشر ميلاً ، فصلى ركعتين ، فقلت له ، فقال : رأيت عمر ، رضي الله تعالى عنه ، صلى بذي الحليفة ركعتين ، فقلت له ، فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ذكر السبب في إتمام عثمان الصلاة بمنىً للعلماء في ذلك أقوال : منها : أنه أتمها بمنىً خاصة . قال أبو عمر ، قال قوم : أخذ بالمباح في ذلك ، إذ للمسافر أن يقصر ويتم ، كما له أن يصوم ويفطر ، وقال الزهري : إنما صلى بمنىً أربعا لأن الأعراب كانوا كثيرين في ذلك العام ، فأحبب أن يخبرهم بأن الصلاة أربع ، وروى معمر عن الزهري أن عثمان صلى بمنى أربعا لأنه أجمع الإقامة بعد الحج ، وروى يونس عنه : لما اتخذ عثمان الأموال بالطائف ، وأراد أن يقيم بها صلى أربعا ، وروى مغيرة عن إبراهيم ، قال : صلى أربعا لأنه كان اتخذها وطنا . وقال البيهقي : وذلك مدخول لأنه لو كان إتمامه لهذا المعنى لما خفي ذلك